الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

379

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وهو غير ظاهر وظاهر إطلاقهم يعم ما لو كانت الجمل أو العمومات المفروضة متناولة وغيرها ما لم يكن الفصل الحاصل مانعا من رجوع مخصّص إليه قوله وصح عوده إلى كل واحد احترز عما لا يصح عوده إلى الكل لعدم اندراج المستثنى في الجميع نحو أكرم العلماء وأحسن إلى الصلحاء إلا الجهال فلا بد من إخراجه عن الأخير ولو عكس الترتيب اختص بالأول ومنه ما لو كان المستثنى مشخصا معينا لا يندرج في بعضها نحو أكرم العلماء أو أعن الآباء إلا زيدا إذا لم يكن زيدا إلا من أحدهما أما لو اندرج فيهما فالظاهر اندراجه في محل البحث لتوارد الحكمين عليه يحتمل تخصيصه بالنسبة إلى الأخيرة وإلى الجميع هذا إذا لم يشتمل تخصيصه بالنسبة إلى الأخيرة وإلى الجميع على التدافع وإلا لم يصح عوده إلى الجميع كما إذا قال يجب إكرام العلماء ولا يجب إكرام الفساق إلا زيدا مع اندراجه في العامين ولا يمكن تخصيصه بالنسبة إليهما وإلا لوجب الحكم عليه بوجوب الإكرام وعدمه أنه بقي الكلام هنا في أمور أحدها أن تقييد محل النزاع بذلك لا يخلو عن تأمل فإنه إن كان النزاع في وضع المخصص المتعقب لتلك العمومات كما هو الظاهر من جملة من كلماتهم لم يتجه ذلك إذ غاية الأمر أن يقال باستعماله إذن في غير ما لم يوضع له على القول بوضعه للعود إلى الجميع من جهة قيام القرينة الصارفة عليه فلا ينافي ذلك ثبوت وضعه للرجوع إلى الجميع حينئذ أيضا إلا أن يقال اختصاص وضعه لذلك بغير الصورة المفروضة فيكون حينئذ حقيقة في الرجوع إلى غيره وهو بعيد جدا وإن كان الخلاف في مجرد الظهور دون الوضع فظاهر أن ذلك إنما يكون من جهة انصراف الإطلاق فلا ينافي عدم انصرافه إليه مع قيام القرينة على خلافه فلا حاجة أيضا إلى التقييد إلا أن يقال إن ذلك بمنزلة أن يقال إن محل النزاع فيما ينصرف إليه الإطلاق إذا كان اللفظ قابلا للرجوع إلى الأخيرة والجميع وإنما خص ذلك بالذكر دون سائر القرائن لكونها قرينة داخلية قاضية بعدم الرجوع إلى الجميع بخلاف سائر القرائن الخارجة فكان فرض انتفاء الأول من تتمة المقتضى وانتفاء الثاني من قبيل انتفاء الأول المانع واعتبار عدم الثاني ظاهر لا حاجة إلى التنبيه عليه فاعتبر الأول في المقام لبيان مورد الاقتضاء ثانيها أن ظاهر العبارة خروج ما لو لم يصح عوده إلى الجميع عن محل البحث وهو قد يكون باختصاص عوده إلى الأخيرة أو باحتمال عوده إلى متعدد سوى الجميع كما إذا تقدمه عمومات ثلاث لا يحتمل عوده إلى الأول فيدور الحال فيه بين عوده إلى الأخيرة وعوده إلى الأمرين فظاهر العنوان أنه حينئذ ذا وجه واحد فيرجع إلى الأخيرة وهو محل خفاء إذ على القول بظهورها في العود إلى الجميع لا يبعد القول أيضا بظهوره في العود إلى المتعدد وأيضا قد يكون عدم صحة عوده إلى الجميع من جهة عدم قابليته للعود إلى الأخيرة فيدور بين كونه عائدا إلى جميع ما عداها وإلى واحد مما تقدمها أو خصوص ما قبل الأخير مما يصح عوده إليه بذلك أيضا مما يقع الكلام فيه ويمكن أن يقال إن إخراج المذكورات عن محل النزاع لا يقتضي أن يكون الحال فيها ظاهرا بل غاية الأمر خروجها عن مورد هذا الخلاف وإن دار الأمر فيها أيضا من وجهين أو وجوه فتأمل ثالثها أن صلاحية المستثنى للعود إلى الجميع تكون على وجوه أحدها أن تكون من المبهمات الصارفة على الجميع كما إذا قال أكرم العلماء وأعن الصلحاء إلا من أهانك أو الذي شتمك ثانيها أن يكون من المشتقات المندرجة في كل منهما نحو أهن كل من شتمك واضرب كل من ضربك إلا العالم وكذا لو كان بمنزلة المشتق كما لو كان المستثنى إلا البغدادي في المثال المذكور ونحوه مما لو كان من المفاهيم الكلية المندرجة في الجميع كما لو كان المستثنى هناك إلا الموارد ولا فرق في ذلك بين المفرد والجمع وعلى كل من الوجهين المذكورين فإما أن يكون المستثنى مطلقا كما في المثالين المذكورين أو عاما كما إذا دخل على المستثنى أداة العموم وعلى كل من الوجوه الأربعة فإما أن يكون المصداق الذي يصدق عليه مفهوم المستثنى شيئا واحدا مندرجا في كل من تلك العمومات كما إذا قال أكرم العلماء وأعطهم درهما إلا من أهانك ومن ذلك آية القذف وإما أن يختلف المصداق كما في الأمثلة المتقدمة وإن احتمل اتفاقهما في بعض المصاديق ثالثها أن يكون المستثنى جزئيا حقيقيا مندرجا في العمومين نحو أكرم العلماء وأهن الصلحاء إلا زيدا إذا كان من العلماء والصلحاء معا فيصح إخراجه من الأخير ومن الجميع رابعها أن يكون المستثنى من النكرات مما يصح اندراجه في كل منها كما في أكرم العلماء وأعن الظرفاء إلا رجلا أو إلا واحدا وقد يشكل الحال فيه بأن النكرة حقيقة في فرد واحد دائر بين الأفراد وهنا على تقدير رجوع الاستثناء إلى الأمرين ومن الجميع إنما يراد بها ما يزيد على الواحد فتكون قد أطلقت في المثال المذكور على رجل من العلماء وقد يثنى منهم ورجل من الظرفاء واثنين منهم وهو خروج عن وضعها إن لوحظ الأمران معا في ذلك الاستعمال بأن يكون خروج الأول من الأول والثاني من الثاني فلا تكون صالحة لذلك وإن لوحظ إطلاقها على كل منها بلحاظ مستقل كما هو الظاهر في المقام كان ذلك من إطلاق اللفظ على كل من مصداقيه استقلالا ليقوم الاستعمال الواحد مقام استعمالين نظير استعمال المشترك في معنييه فيدور جواز ذلك الاستعمال وقد عرفت أن التحقيق المنع منه ويمكن دفعه بأن النكرة في المقام لم تستعمل إلا في مفهومها أعني فرد ما لا غير ويكون إخراجها بين العمومين دليلا على كون فرد ما الخارج من الأول مغاير للخارج من الثاني فيكون مصداقه بالنسبة إلى الأول غير مصداقه بالنسبة إلى الثاني ولا يستلزم ذلك أن تكون النكرة قد أطلقت على فردين أولا أو تكون قد أطلقت على مصداق وعلى آخر استقلالا ليقوم مقام استعمالين ألا ترى أنه لو قال أكرم رجلا من العلماء ومن الظرفاء لم يرد عليه المحذور المذكور مع كون فرد ما من العلماء مغاير لفرد ما من الظرفاء وكذا إذا قال أكرم كل عالم فقد أطلق النكرة على كل من مصاديقها لكن بضميمة لفظ كل فلا منافاة بين الوحدة الملحوظة في معنى النكرة وإطلاقها على المتعدد إذا كان الدال على أمر خارجا وكان المراد بالنكرة نفسها هو فرد ما كما في كل من الأمثلة المذكورة خامسها أن يكون المستثنى من المشتركات اللفظية فيصح عوده إلى الأمرين باعتبار معنييه وهذا الوجه مبني على جواز استعمال المشترك في معنييه وعلى القول بالمنع فلا صلاحية كذلك ومن ذلك ما لو قال أكرم العلماء وأحسن إلى الأدباء إلا زيدا إذا كان هناك زيدان أحدهما من العلماء والآخر من الأدباء وإذا أريد بزيد في المثال مفهوم المسمى به كان من الوجه المتقدم سادسها أن يكون صلوحه للعود إلى الكل بتقسيط المستثنى عليها كما إذا قال أكرم العلماء وأحسن إلى الظرفاء إلا الرجلين فيحتمل إخراجهما من الأخير وإخراج أحدهما من الأول والآخر من الثاني